•°o.O منتديات ورقلـة المنـوعة ترحب بكم ،، O.o°•OUARGLA

منتدى عربي جزائري تعليمي ثقافي خدماتي منوع ،،
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

إستمع للقرآن الكريم
TvQuran
المواضيع الأخيرة
» أفضل برنامج إدارة عقارات متوفر باللغة العربية والإنجليزية Best Real Estate Software Supports English & Arabic
الجمعة أكتوبر 12, 2018 10:35 pm من طرف فالكون برو

» لأول مرة اعتماد اكاديمي بريطاني و توثيق حكومي لشهادة حضور مؤتمر تكنولوجيا الموارد البشرية
الثلاثاء سبتمبر 18, 2018 4:04 pm من طرف ميرفت شاهين

» أفضل برنامج إدارة عقارات متوفر باللغة العربية والإنجليزية
الثلاثاء سبتمبر 18, 2018 1:54 pm من طرف فالكون برو

» أفضل برنامج إدارة عقارات متوفر باللغة العربية والإنجليزية Best Real Estate Software Supports English & Arabic
الخميس أغسطس 16, 2018 11:07 pm من طرف فالكون برو

» أفضل برنامج إدارة عقارات متوفر باللغة العربية والإنجليزية Best Real Estate Software Supports English & Arabic
الخميس أغسطس 16, 2018 11:04 pm من طرف فالكون برو

»  منتدي الجامعات العربية البريطانية
الثلاثاء أغسطس 07, 2018 6:06 pm من طرف ميرفت شاهين

» أفضل برنامج إدارة عقارات متوفر باللغة العربية والإنجليزية
الثلاثاء يوليو 17, 2018 5:05 pm من طرف فالكون برو

» الشاعر المسعود نجوي بلدية العالية ولاية ورقلة.
السبت أبريل 07, 2018 10:42 pm من طرف تيجاني سليمان موهوبي

»  الجامعات الذكية بين الجودة والرقمنة مارس 2018
السبت فبراير 17, 2018 2:15 pm من طرف ميرفت شاهين

»  الجامعات الذكية بين الجودة والرقمنة مارس 2018
السبت فبراير 17, 2018 10:50 am من طرف ميرفت شاهين

»  الملتقى العربي الرابع تخطيط مالية الحكومات ...النظم المستجدة والمعاصرة - شرم الشيخ
الخميس يناير 18, 2018 2:32 pm من طرف ميرفت شاهين

» شرم الشيخ تستضيف المؤتمر العربي السادس تكنولوجيا الاداء الاكاديمي مارس 2018
السبت يناير 13, 2018 4:29 pm من طرف ميرفت شاهين

» وحدة الشهادات المتخصصه: شهادة الإدارة التنفيذية (( الشارقة - القاهرة )) 4 الى 13 فبراير 2018م
الخميس يناير 04, 2018 7:28 pm من طرف hamzan95

»  شهادة مدير تسويق معتمد Certified Marketing Manager باعتماد جامعة ميزوري الأمريكية
الأحد نوفمبر 26, 2017 1:42 pm من طرف ميرفت شاهين

» المؤتمر العربي الثامن تكنولوجيا الموارد البشرية
الخميس سبتمبر 28, 2017 2:56 pm من طرف ميرفت شاهين

جرائد وطنية
أهم الصحف الوطنية
 
 
 
اليوم والتاريخ
ترتيب المنتدى في أليكسا
فايسبوك
عداد الزوار
free counters
أدسنس
CPMFUN 1
xaddad
propeller

شاطر | .
 

 الصحراء المكان و الإنسان و اللسان للدكتور و الشيخ محمد الصاوي1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المنتصر إبن العرب
مشرف قسم شخصيات وأعلام من ورقلة
مشرف قسم شخصيات وأعلام من ورقلة
avatar

عدد الرسائل : 1848
العمر : 43
المدينة التي تقطن بها : ورقلة
الوظيفة : موظف
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 16/05/2010

مُساهمةموضوع: الصحراء المكان و الإنسان و اللسان للدكتور و الشيخ محمد الصاوي1   الثلاثاء نوفمبر 09, 2010 1:17 pm

اللغة هي خزانة الوعي. ولقد تشكلت الذائقة اللغوية والحس الفني العربي من عناصر اللوحة الصحراوية؛ فلا غرابة أن تجد من بين دواوين الشعر المعاصر ما اختار له صاحبه عنوان «همس الصحراء»، أو «في ذاكرة الصحراء». واختار آخر عنوان «قصائد من الصحراء»، واختار ثالث «وحي الصحراء: صفحة من الأدب العصري في الحجاز»، مثلما آثر طاهر زمخشري أن يكتب «أغاريد الصحراء». ثم كتب سيف الرحبي «رجل من الربع الخالي».
وصارت الصحراء ينسب إليها - على سبيل التكريم - عيونُ الشعر العربي؛ فيقال لقصيدة الشنفرى المعروفة بلامية العرب إنها «نشيد الصحراء». ويوصف شعر المتنبي بأنه «نشيد الصحراء الخالد». ويطلق على شِعر الراعي النميري أنه «صوت الصحراء» وذلك كله بطبيعة الحال في معرض التفخيم والتكريم.
ويُنسب أبطال العرب قديمًا وحديثًا إلى الصحراء؛ فيقال لعمر المختار رحمه الله «أسد الصحراء»، وللملك عبد العزيز رحمه الله «ابن سعود ملك الصحراء». ويصدر كتاب لتراجم عظماء العرب بعنوان «أعلام من الصحراء». وكتاب «أبطال من الصحراء». وفي فن الرواية كان للصحراء حضورها؛ فكان كتاب «الرواية العربية والصحراء»، ثم ترجمة بهاء طاهر لرواية «ساحر الصحراء» لباولو كويليو  . فإن دل ذلك كله على شيء فإنما يدل على تغلغل الصحراء في الوجدان العربي منذ القدم، حتى إن عبدالوهاب عزام حين امتدح جهاد السنوسيين لم يسعه إلا أن يصف الصحراء:
سلاحــهم عـــزيمة الجــهاد
وقوتهم ما سـلبوا الأعــادي
يصابرون الأكبد الصوادي
ويأكلون الجوع في البوادي
فكلما أوغلت في عمق الصحراء رأيت اعتداد الناس بذواتهم، ورهافة شعورهم بالحرية، وكلما أوغلت في عمق الصحراء وجدت اللسان الأفصح والنقاء اللغوي.
يكتفي المعجم العربي بتعريف الصحراء بأنها «الفضاء الواسع لا نبات فيه»، وأضاف بعضهم: الجمع الصَّحارَى والصَّحارِي وصَحْرَاوَات.
وأبرز ما يستفاد من مادة «صحر» الاتساع والوضوح؛ فالمُصاحِرُ: الذي يقاتل قِرْنه في الصَّحراء ولا يُخاتِلُه. تقول العرب: أَخبره بالأَمر صَحْرَةَ بَحْرَةَ، وصَحْرَةً بَحْرَةً أَي قَبَلا لم يكن بينه وبينه أَحد. وأَبرز له ما في نفسه صَحَارًا: كأَنه جاهره به جِهارًا.
فإما أن تكون أخي بحقٍّ
فأعرفَ منك غثّي من سميني
وإلا فاطّرحني واتخذني
عدوًا، أتَّـقــيك، وتتَّــقــــيني
ومن زعم أن الصراحة والصحراء من معين واحد فما أبعد. والصَّرْحةُ: مَتْنٌ من الأَرض مُسْتَوٍ. والصَّرْحةُ من الأَرض: ما استوى وظهر؛ يقال: هم في صَرْحةِ المِرْبَدِ وصَرْحةِ الدار، وهو ما استوى وظهر. وفي شعر النميري:
كأَنها، حينَ فاضَ الماءُ واخْتَلَفَتْ،
فَتْخاءُ، لاحَ لها، بالصَّرْحةِ، الذِّيبُ
وأَصْحَر المكانُ أي اتَّسع. وأَصْحَرَ القوم إذا برزوا إِلى فضاء لا يُوارِيهم شيء.
والمعاجم الموسعة تشبع شيئًا من نهم البحاثة؛ فتضيف من أسماء الصحراء الجَبَّان والجَبَّانة بالتشديد، وتسمى بهما المقابر؛ لأَنها تكون في الصحراء؛ تسمية للشيء بموضعه، وكلُّ صحراءَ جَبَّانة.
ومن أسمائها الديسق، وهو الصحراء الواسعة، ويطلق على السراب إذا اشتد جريه في أعين الناظرين. وقد يقال للصحراء «الدَّشْتُ»، كما يقال لها الدوُّ، وهي الصَّحْراء التي لا نَباتَ بها. والدَّيْمومَة هي الصحراء البعيدة، وهي فَعْلُولة من الدَّوامِ، أَي بعيدة الأرْجاء يَدُومُ السير فيها، والدَّيامِيمُ: المفاوِزُ. ومفازة دَيْمومَةٌ أي دائمة البعد.
والسَّبْتاء من الأَرض: كالصَّحْراء، وقيل: أَرض سَبْتاء، لا شجر فيها. ويقال: أَرض صَحاصِحُ وصَحْصَحانٌ: ليس بها شيء ولا شجر ولا قرار للماء، والصَّحْراءُ أَشدُّ استواء منها.
والعرب تكني عن الصحراء بقولهم: «أُم عُبيدٍ». وتكره العرب التصريح عن الهلاك؛ فتسمي البيداء «مفازة»؛ برغم أن البيداء سميت بذلك لأنها تبيد سالكها أو من يحل بها. وأصل البيداء والفلاة «المفازة المستوية يجري فيها الخيل». سميت الصحراء مفازَة لأن من خرج منها وقطعها فاز. والبيداء موضع مخصوص بين مكة والمدينة.
والصِّرْداحُ: المكانُ الصُّلْبُ؛ وقيل: الصَّرْدح المكان الواسع الأَمْلَسُ المستوي؛ وقيل: الصِّرْداحُ الفلاة التي لا شيء فيها. الصَّرادِحُ واحدتها صَرْدَحة، وهي الصحراء التي لا شجر بها ولا نبت، وهي غَلْظٌ من الأرض. قال الشاعر:
فإن تكن الأيام فينا تبدلت
ببؤس ونعمى والحوادث تفعل
فما لينتْ منا قـناة صليبة
و لا ذلَّلتنا للتي لــيس تجــمل
والصحراء هي الفلاة، والفَلاة: القَفر من الأَرض لأَنها فُلِيت عن كل خير أَي فُطِمت وعُزِلت، وقيل: هي التي لا ماء بها ولا أَنيسَ. والفَيْفُ المفازة التي لا ماء فيها مع الاستواء والسَّعة، وإذا أُنِّثَت فهي الفَيْفاة، وجمعها الفَيافي. والفيفاء: الصحراء المَلساء.
والمُهْرَقُ: الصحراء الملساء. والمَهارق: الصَّحاري، واحدها مُهْرَق، وهو معرب؛ قال الأزهري: وإنما قيل للصحراء مُهْرق تشبيهًا بالصحيفة.
والمَوْماةُ: المَفازةُ الواسعة المَلْساء، وقيل: هي الفلاة التي لا ماءَ ولا أَنِيسَ بها، قال: وهي جماع أَسماء الفَلَوات. والقَفْر مَفازة لا نبات بها ولا ماء. والقَفْرُ والقَفْرة: الخلاءُ من الأَرض، وجمعه قِفارٌ وقُفُورٌ. والغائط هي الصحراء في قول امرﺉ القيس:
وغائط قد قطعت وحدي
للقلب من خوفه إجلال
والعرب تسمي الصحراء: «البَرِّيَّةُ»، نسبت إلى البَرِّ، والجمعُ البرَارِي. ويقال: «أَفْصَحُ العرب أَبَرُّهم». معناه: أَبعدهم في البَرِّ والبَدْوِ دارًا. وكانت العرب ترسل أبناءها إلى البادية لتصح أجسامهم وتفصح ألسنتهم. (كان علماء البصرة يفخرون على علماء الكوفة بقولهم: «نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز والكواميخ»).
وكما هي الحال مع كثير من المصطلحات، لا يكتفي البحث بالتعريفات المعجمية؛ فالصحراء كلمة تطلق على بيئة تتسم بالجفاف والحرارة ونباتات وحيوانات تميزها.
وتقدر مساحة الصحاري بسُبع مساحة اليابسة. وربما ينظر إلى بعض المناطق القطبية الجرداء على أنها صحراوية، إلا أننا لا نعتبرها كذلك. ومعظم مساحة الصحراء تقع في إفريقيا (الصحراء الكبرى)، وجزيرة العرب (صحراء الدهناء؛ صحراء الربع الخالي؛ صحراء النفود الكبير)، وأستراليا، وصحراء نيفادا، وصحراء كَلهاري، وصحراء جوبي ومنغوليا. ولكن ما يعنينا في المقام الأول هو الصحراء العربية.
يكاد يكون من المستحيل استيعاب «النص العربي» دون معرفة واسعة عميقة بمكونات الصحراء، وبتفاصيل الحياة فيها، وبما يتعارف عليه أهلها من أنظمة، وما يتخذونه من وسائل وأدوات، وما اعتادوه من عادات، وما امتلكوه من معارف. فبدون هذا الأساس المعرفي بحياة الصحراء يستحيل للمعلم اليوم أن يساعد الطلاب على بناء تصورات صحيحة عن أقوال من قبيل:
«القشة التي قصمت ظهر البعير» أو «من استرعى الذئب ظَلم» أو «لا في العير ولا في النفير» أو «رماه بثالثة الأثافي» أو «اختلط الحابل بالنابل» أو «أدلى بدلوه» أو «أهل مكة أدرى بشعابها» أو «أنْ تردَ الماءَ بماءٍ أكيسُ».
وفي غيبة المعرفة المستوعبة للصحراء (الإنسان والمكان) لن يكون من السهل إدراك معاني آيات من التنزيل الحكيم، مما هو وثيق الصلة بحياة الصحراء:
}وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا. فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا. فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا. فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا. فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا|.
وفي الوحي كلام عن الصحراء، وعن ما كان من صفتها وأحوالها؛ ففي التنزيل: }وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا|. وفي التنزيل أيضًا: }وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا|. وفيه }وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ|. وفيه: }رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم|.
وأما في حالة الشعر القديم فالأمر أشد وضوحًا؛ فإنك لن تبلغ في الشعر أي مبلغ، ما لم تكن على دراية بأحوال الصحراء. بيد أن الأمر في عصرنا قد صار معكوسًا؛ فنحن نكتشف عالم الصحراء من خلال أشعار العرب. وهكذا صارت العلاقة ذات اتجاهين: شعر نفهمه في ضوء معطيات المنظومة الصحراوية، وصحراء نتعرف على ظواهرها وخفاياها ودخيلة أهلها من خلال التراث الشعري القديم. ومن شاء أن يتحقق مما أقول فليمنح نفسه فرصة اللقاء مع شيء من شعر ذي الرمة أو طرفة بن العبد أو عبيد بن الأبرص.
والحق أن الصحراءَ حاضرةٌ في لغة العرب وفي أشعارهم، من لدن امرﺉ القيس وحتى نزار قباني. (راجع: علي شلق، 1998 «أثر البادية في الشعر العربي» منشورات جروس برس- لبنان).
والصحراء كما أراها هي منظومة المكان والإنسان جميعًا؛ فقد تشكلت قيم ورؤى الإنسان غير منفصلة عن محيطه الحيوي، وعبرت عن ذلك كله لغته ومأثوراته. وأستعير هنا قول الجغرافيين عن الصحراء وابن الصحراء: «إن هذه الأرض بمثابة الأم له. لقد تخللت عظامه ونسيج لحمه، بل عقله وروحه». ومن قبل ذلك قال الشاعر:
وما الناس إلا كالديار وأهلها
بها يومَ حلّوها وعَدْوًا بَلاقِعُ
وفي الصحراء «يقوّم الإنسان بإنسانيته لا بثروته، وبفضائله لا بصناعاته، وبأصغريه: قلبه ولسانه لا بأبهته وسلطانه». وقد أفصح الشاعر عن وحدة الإنسان والمكان والحيوان، إذ قال:
وحنّت قلوصي بعد وهن وهاجها
مع الشوق يومًا بالحجاز وميض
فقلت لـــها لا تضجري إن منـزلاً
نأتني بـــه هــــــند إلـــــيّ بغيض
دنـــا منك تجــواب الفلاة فقلِّصي
بمــا قــــد طباك رعية وخفوض
وفرضت الصحراء على بنيها صحبة السباع والوحش في القفار:
وماءٍ كلون البول قد عاد آجنا
قليل به الأصوات في كلأ محل
لقيت عليه الذيــب يعوي كأنه
خليع خلا من كل مال ومن أهل
فقلت له يا ذيب هل لك في أخٍ
يواسي بلا أثرى عليك ولا بخل
ويقطع زهير الفيافي حتى يدنو من الذئاب وتدنو منه:
قطعت يماشيني بها متضائل
من الطلس أحيانًا يخب ويعسل
ويضرب الشنفرى في المفاوز الوعرة؛ حتى يصاحب الوعول:
ترود الأراوي الصحم حولي كأنها
عـذارى عـليهن الملاء المـذيل
وأما المرقش الأكبر فيشرك معه ذئبًا في لحم الشواء:
نبذتُ إليه حِزّةً من شوائنا
حياءً، وما فحشي على من أُجالسُ
أمثال هؤلاء الناس كيف يهابون الموت!!
لعمرك ما أدري وإني لواجلٌ
أفي اليوم إقدام المنية أو غَدِ
فإن تك خلفي لا يفتها سواديا
وإن تك قدامي أجدْها بمرصد
من بين هؤلاء خرج الذين وصفهم الواصفون: (رأينا قومًا الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة ليس لأحدهم في الدنيا رغبة أو نهمة، وإنما جلوسهم على التراب، وكلهم على ركبهم، وأميرهم كأنه واحد منهم، ما يعرف رقيقهم من وضيعهم، ولا السيد من العبد. وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف منهم أحد).
ولأنه ابن الصحراء معرَّض دومًا لخطر داهم ومواجهة عنيفة، فقد وصف الحال:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي
بأخرى المنايا فهو يقظان نائم
ومنحت الصحراء أهلها استهانة بزخرف الحياة؛ فيقول عَبيد:
إننــا إنمــا خُلقـــــــنا رؤوسًا
من يسوي الرؤوس بالأذناب
لا نتقي بالأحساب مالاً ولكن
نجعل المال جُــــنة الأحساب
وبرغم كل شيء أحب العرب صحراءهم حبا واعيًا؛ حتى يقول الأصمعي:
ومن تكن الحضارة أعجبته
فأي رجال بادية ترانا؟!
الناقة والفرس والذئب والضبع والوعل والأسد والأتان هم شركاء الإنسان في الصحراء. وشركاؤه النسور والعقبان والغربان والقطا والحمام والحبارى والنعام. وشركاؤه الجبال والأحقاف والكثبان والأودية والعيون والآبار وأعشاب البر ونباتاته ونخيله. والصحراء علمت العربي حكمته الخالدة:
لعمرك ماضاقت بلاد بأهلها
ولكن أخلاق الرجال تضيق
أزعم أن «محمد أسد» – رحمه الله- هو خير من وصف الصحراء، بل خير من عشق الصحراء العربية في العصر الحديث. ويظل كتابه العبقري «الطريق إلى مكة» أنشودة عشق للصحراء: المكان والإنسان. ولقد قرأت هذا الكتاب الاستثنائي حتى اليوم إحدى عشرة مرة، فلم أزدد إلا رغبة في معاودة القراءة.
إن بعض الرحالة ذهبوا إلى الصحراء من أجل اكتشاف المسالك والممالك، لكن بعضهم نجح في أن يكتشف في الصحراء نفسه وحقيقة إنسانيته. من هؤلاء اثنان جمع بينهما معرفة اللغة العربية: محمد أسد (ليوبولد فايس)، ومبارك بن لندن (ويلفريد ثيسيجر Wilfred Thesige). وكلاهما مات بعد أن تخطى التسعين من عمره (نحو مائة عام بالحساب القمري). بيد أن محمد أسد هو - بغير منازع- عاشق الصحراء والعرب والإسلام. وقد طوّف بصحراوات شتى؛ من أفغانستان إلى إيران إلى صحراء النفود الكبرى، إلى صحراء مصر الشرقية، وصحرائها الغربية، إلى برقة وجغبوب. لكنه يقرر: «كونت فكرتي الأولى عن العرب في صحراء سيناء». وفي الصحراء تحقق محمد أسد من حقيقية «التوافق السحري بين النفس البشرية وبين العالم المحيط بها».
وتجربة محمد أسد لا تشبهها - سوى تشابه سطحي - تجربة «إريك شميث» كاتب رواية «مسيو إبراهيم وزهور القرآن»، الذي قال: «دخلت الصحراء ملحدًا وخرجت منها مؤمنًا». فهل يفسر روحانيةَ الصحراء انتشارُ العديد من الأديرة في أعماق الصحاري؟ وهل يمكننا أن نقرأ قراءة مختلفة كلامَ الجاحظ في البخلاء، إذ قال:
«أي بني: لمَ صفت أذهان العرب؟ ولم صدقت أحساس العرب؟ ولم صححت أبدان الرهبان، مع طول الإقامة في الصوامع؟ وحتى لم تعرف النقرس، ولا وجع المفاصل، ولا الأورام، إلا لقلة الرزق من الطعام، وخفة الزاد، والتبلغ باليسير»؟.
وهذا النص- ولو أنه قد سيق في معرض الكلام عن البخلاء- إلا أنه دال دلالة بينة على بعض شيم أهل البادية.
الهيام بالصحراء كان ومايزال شاغل ذوي المشاعر الرهيفة، والباحثين عن اللحظة البكر، والمشهد البكر، والنقاء النفسي. لقد باح أحد الرحالة بمشاعره فقال:
«تهب الرياح النقية المنعشة؛ حتى يخال الإنسان أن هذه الرياح الحلوة آتية رأسًا من السماء، لم تمسّها الأرض، ولم تمر على غبار». ويضيف صاحب كتاب «شريعة الصحراء»: «ولن يشعر بجمال الليل وهناء النوم إلا الذين ذاقوا لذة النوم فعلاً في هذا الخلاء المتسع، تحت قبة السماء المرصعة بالماس والجواهر البراقة من النجوم والكواكب». ومن قبل قال محمد أسد: «أستطيع أن أقول إنه ليس في العالم خبز ألذ من خبز صُنع في البَرّ». وقد ملكت محبة الصحراء عليه حياته، لدرجة أنه يذكر: «كلما أقمت بضعة أشهر في بلدة ما كالمدينة المنورة مثلاً، حيث لي زوجة عربية وطفل ومكتبة.. يستبد بي القلق، وأبدأ بالحنين إلى هواء الصحراء الجاف، إلى رائحة المطايا والشداد».
أجل! أبناء المدن الحديثة المزدحمة لديهم فجر لا يشبهه فجر الصحراء. ويعرفون غروبًا لا كالذي يعرفه أبناء الصحراء. ويدركهم ليل عاطل عن سحر ليالي الصحراء. وترنو أعينهم إلى قمر يتضاءل دون لآلاء قمر الصحراء. وتملأ صدورهم رياح أين منها بكارة رياح الصحراء. ثم هم يتحدثون بكلام تنقصه فصاحة الألسن في الصحراء، ولهم عادات تتوارى خجلاً من سمو أخلاق ابن الصحراء. وإليكم حكاية من مفردات الحياة اليومية في البادية:
«أحضر مضيفونا لنا اللبن. نفخنا الرغوة جانبًا وشربنا بكثرة. ألحوا علينا أن نشرب أكثر قائلين: لن تجدوا اللبن في الصحراء أمامكم. اشربوا اشربوا. أنتم ضيوفنا. لقد جلبكم الله إلينا. اشربوا. شربت ثانية، برغم علمي أنهم سيبيتون جوعى وعطاشى ذلك الليل؛ لأنه لم يكن لديهم أي شيء آخر، لا طعام ولا ماء».
هكذا سجل قلم «ويلفريد ثيسيجر» (ت 2003) الرحالة الذي جاب صحراء الربع الخالي: «أفضل صفات العرب جاءت من الصحراء، ألا وهي إيمانهم العميق، الذي وجد تعبيره في الإسلام. وإحساسهم بالانتماء الذي يربطهم بأشخاص يعتنقون نفس الدين. واعتدادهم بجنسهم، وكرمهم وحسن ضيافتهم، وحرصهم على كرامة الآخرين، كإخوانهم في الإنسانية. وطيب معشرهم، وشجاعتهم وصبرهم. واللغة التي يتكلمونها. وحبهم الحماسي للشعر».
ويضيف: «تأملت في تأثير العرب على تاريخ العالم. بدا لي أنه شيء ذو مغزى أن عرب الصحراء هم الذين فرضوا خصائصهم على الجنس العربي، والتي انتشرت مع الفتح العربي. ومن ثم أسسوا إمبراطورية تزيد مساحتها عن مساحة إمبراطورية روما. وكانوا قد خرجوا من الصحراء متحدين بفضل دينهم الجديد».
أتراه تغلب على التحيزات المضادة بفضل السنوات الخمس التي قضاها مرتحلاً مع البدو في صحراء الربع الخالي، ما بين 1945 إلى 1950م؟ وهل أصاب حين خلص إلى أن الحياة كلما اخشوشنت كان المرء أسمى وأرفع؟
ربما كانت آية السمو الإنساني لديه قد تكشفت من خلال تمسك البدوي بالعفاف. يحكي: «كانت نقودي مودعة في الخرج في أكياس من الخيش، وكان الخرج مفكوكًا، وبرغم أن رفاقي كانوا فقراء إلى حد مدقع، فإن النقود ظلت آمنة في الخرج، كما لو كانت محفوظة في بنك. لقد عشت خمس سنوات مع البدو، ولم أفقد ألبتة مليمًا واحدًا، أو حتى رصاصة، برغم أن الرصاص بالنسبة لهم كان أكثر قيمة من المال». أليس من السخف أن توصف هذه الأمور بأنها «رومانسية»!
وعلى أشباه تلك الحوادث العارضة في حياة البدو يعلق رفعت الجوهري:
«من أكبر المعايب عند البدو أن يفرّ الرجل من القتال، أو يجبن عن نجدة رفيقه، أو يسرق مطمورة جاره. فمن فعل شيئًا من ذلك احتقروه، ورفضتْ البناتُ زواجه. وإذا دخل مجلسًا وُزِّعتْ فيه القهوةُ أو الشاي، يمد الساقي يده بالفنجان موهمًا أنه يقدمه إليه، حتى إذا مدّ يده لتناول الفنجان أراقه الساقي في الأرض؛ استخفافًا به واحتقارًا لشأنه؛ فينصرف عن المجلس من دون أن ينبس ببنت شفة. وفي غالب الأحيان يرحل إلى بلاد لا يعرف أحدٌ فيها بجنايته».
ربما لأجل أمور عاشها الرجل عن قرب، فقد عبَّر ثيسجر: «لا أستهجن الافتراض أنه في حالة انقراض الحضارات اليوم - كما حدث لبابل وأشور - فإن كتب التاريخ المدرسية ستخصص بعد ألفي سنة من الآن بعض الصفحات للعرب، دون إشارة حتى إلى الولايات المتحدة الأمريكية».
عبْر سيناء في القطار سافر محمد أسد، ويحكي: «نهض البدوي الذي كان جالسًا قبالتي ببطء، وحل كوفيته، ثم فتح الشباك، فإذا به دقيق الوجه أسمر اللون. واحد من تلك الوجوه الصقرية التي تتطلع دائمًا إلى الأمام بعمد وتصميم. لقد ابتاع قطعة من الكعك ثم استدار، وكان على وشك الجلوس عندما وقعت عيناه عليَّ، ودون أن ينطق بكلمة، قسم كعكته نصفين وقدم إليّ أحدهما. وعندما رأى ترددي ودهشتي، ابتسم ورأيت أن الابتسامة اللطيفة التي كانت تلائم وجهه، كذلك التصميم الذي بدا عليه منذ لحظة- وقال كلمة لم أفهمها عندئذ (سنة 1922م) ولكنني أعرفها الآن: تفضَّل. وعندما أفكر الآن بذلك الحادث البسيط، يخيل إليّ أن حبي كله للخلق العربي فيما بعد قد تأثر به. ذلك أن في بادرة هذا البدوي - الذي شعر، رغم جميع حواجز الغربة، بصداقة رفيق عابر له في السفر فقاسمه الخبز- نفحةً من الإنسانية، أحسست بها خالية من أي تصنع أو تكلف».
ترى هل بقيت الصحراء بِكرًا؟ الجواب يحزّ في النفس ويؤذيها ويجرح شفافيتها: «إذا ما أدخلت الحياة الحديثة إلى مجتمعهم، فإنهم عرضة لأن يتخلوا عن كل هذه القيم، ويصبحوا بروليتاريا طفيلية تجلس القرفصاء حول حقول النفط، في القذارة العفنة لمدن الأكواخ». هذا عن إنسان الصحراء، فماذا عن الصحراء المكان؟
لقد عوملت الصحراء دهرًا على أنها مكب لنفايات النشاط الصناعي للجشع الرأسمالي، والأخطر من ذلك أن اتخذتها قوى الشر والاستكبار مسرحًا للتجارب والتفجيرات النووية. فهل الاعتياد على طنين الهاتف المحمول وإدمان الإنترنت وسيارات الدفع الرباعي سيجعل عشقنا للبيداء شيئًا من التاريخ؟!! وهل سيكون في مقدور أمثال الدكتور مصطفى محمود أن يستمتعوا بتجربة «مغامرة في الصحراء»؟!! وهل حقًا كما قال محمد أسد عن الصحراء «تلاشت بساطتها العظيمة، كما تلاشى معها الكثير مما كان نسيج وحده في عالم الإنسان»؟
إن الصحراء ليست هي المكان فحسب، إنها منظومة المكان والإنسان. يستطيع المرء أن يمر بتجربة في صحراء المكسيك أو زيمباوي أو طاجيكستان، لكن أين هذا من الصحراء العربية: الإبل والقهوة والأشعار والكرم والكرامة؟ ليت الصحراء دامت لنا.
من الرحالة من كتبوا زورًا عن العرب وصحرائهم، أو بالأحرى كتبوا عن العرب أسوأ ما عرفوا؛ فأسهموا في بلورة (شرق) متخيل بعيد كل البعد عن الواقع. من هؤلاء أوجين فرومانتان   مؤلف «صيف في الصحراء» و«عام في الساحل» سنة 1859 م.
مما قال عن عرب الصحراء الجزائرية: «لا (يحبذ) العربي أن يبدي للناس مسكنه، ولا يحبذ كذلك أن يعطيك بسهولة اسمه، ولا يتكلم أصلاً عن أعماله، ولا يروي لك بتاتًا أهداف أسفاره وطبيعة تجارته. يشك في كل تطفل يطاله، لهذا فهو يبني داره بطريقة متوارية عن الأنظار، كما في الكمين الحربي، حيث يمكننا أن نتربص بالآخر دون أن يرانا... كل تقاليد العربي البدوي منوطة بهذا النظام المطلق الذي لا يخرج من الحذر والتجسس. ولو تعمقنا أكثر في الطريقة التي يحافظ بها على أملاكه، فإننا لا نفهمها إلا إذا وضعنا نصب أعيننا هذا الإحساس العام بالاحتراس. إن العربي البدوي، لا يرتاح إلا إذا كان ماله رهن يديه، ولو عاش لحظات الاستقرار؛ لأنه يفضل دائما الثروة المتنقلة (الأغنام)؛ لا يستطيع أحد تعيينها، ويتسنى تحويلها بسهولة، ولا يصعب إنكارها، أو طمرها. على العكس من ذلك، فإن الأرض تقلقه، وكل امتلاك عقاري يبدو له غير آمن أو عرضة للخطر».
لكن المؤلف نفسه يتخبط في وصف العرب، فيذكر ما نراه نحن من المحاسن في سياق الذم!!. يذكر لصديقه: «لو تتذكر ياصديقي مقال الضيافة الذي كتبه الجنرال دوماس في كتابه الصحراء الكبيرة، لعرفت بأن أخلاق العرب تجعل من إطعام الغير والأكل مع الغير فعلاً جديرًا بالاهتمام، وتجعل من الضيافة درسًا كبيرًا في التعلم والحياة، ولاحظ بأن هذا الأمر لا ينبع من فضائل اجتماعية، لأن هذا الأمر معدوم تمامًا عند هذه الأمة اللااجتماعية، لأنه ينبع من فضائل جد دينية. وكي نتكلم مثلهم، فإن الضيف يعد (مرسول) الله للذي يشرف على عملية الإكرام. إن أدبهم لا يرتكز على تواضعات اجتماعية، ولكن يرتكز على مبادئ دينية صرف».
وفي موضع آخر يتعجب فرامونتين من أنه وجد النساء في الجنوب الجزائري، وبالأخص في منطقة عين المهدي، يذهبن للمساجد دون تحرج، عكس نساء الشمال الجزائري!!!
وأنى لأمثال أولئك الجواسيس الحمقى أن يستوعبوا مقالة العربي:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وللبداوة حسن غير مجلوب
إن الكرماء من بين الخلائق كثيرون، لكنا لا نعلم جماعة من الناس يتسابقون إلى إكرام الضيف، كلٌ يريد أن ينال شرف إطعام الضيف، وربما استضافوه مناوبةً، فإذا اختلفوا رفعوا الأمر إلى كبيرهم، وحكمه نافذ.
ومن المبالغة في إكرام الضيف يقدمون له الذبيحة غير منقوصة، حتى إن الرأس ليوضع على (المنسف). وجرى العرف على أن من حق المضيف أن يأخذ من غنم جاره ليذبحه للضيف على أن يرد له مثلها في مدة أربعة عشر يومًا. ومن عادة المضيف أن يلطخ رقبة جمل ضيفه بدم الذبيحة؛ حتى إذا ما جاء أحد يطلب ما أُخذ منه، لا يقرب هذه الجمل؛ احترامًا للضيافة.
برغم قسوة الطبيعة الصحراوية إلا أن الله شاء أن يجعل الكثير من مناطق الصحراء غنية بالملح واليورانيوم والنفط والغاز الطبيعي. وفي وسط الصحراء تنبت الواحات كابتسامات على وجه الرمال، ولولا الصحراء ما كانت الواحة. لذلك كانت الواحات توصف بأنها «جزر الرحمة وجنات الصحراء». (يُقَدَّر عدد الواحات الكبرى في الصحراء الكبرى بنحو تسعين واحة، في بعضها عيون للماء أكثر عذوبة من أية مياه معروفة، كما أن لبعضها خصائص علاجية). فهل استفاد عرب اليوم من كنوز الصحاري؟
وإن تعجب فعجبي أشد من موقف الحكومات العربية من البحوث الناجحة للدكتور أحمد مستجير (أستاذ الوراثة بزراعة القاهرة) والدكتور أسامة الشيحي (أستاذ البيوتكنولوجيا بزراعة القاهرة).
لقد أجاب الرجلان إجابة علمية ميدانية موثقة بالنتائج الملموسة عن السؤال: «هل يمكن زراعة الأرز والقمح والذرة بماء مالح أو بماء البحر في أرض قاحلة مالحة صحراوية؟». لقد تحقق الحلم بما لا يدع مجالاً للانتظار أوالتنطع.
أجل نجحت زراعة القمح والأرز بمياه مالحة في أرض قفر، ولم تكن الحبوب مالحة المذاق قط. وأثمرت المساحة المزروعة محصولاً يطمح إليه كل مزارع في الأراضي الخصبة.
في كل عام، وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، أشرح لطلابي مشروع أحمد مستجير، ونجاحه الكبير، وأهميته لسكان الوطن العربي. وفي كل مرة يقذفني طلابي بالسؤال الذي أتوقعه بالضرورة: «وماذا بعد»؟
أما الجواب الذي لم أقله لهم فهو: «سيستفيد العدو من جهود علمائنا، وسيزرع أعداؤنا الصحراء التي اغتصبوها منا. وربما نتسول منهم بعض المعونات، أو القروض، أو اتفاقيات النفط في مقابل الغذاء: القمح المزروع في صحرائنا بمياه بحارنا وبعقول علمائنا وبسواعد ملايين العاطلين لدينا».
لقد كان الجيل السابق أوسع أفقًا وأظهر إخلاصًا للبلاد بصورة لا تقارن؛ فلقد فكر الملك فؤاد عام ‏1939‏ في إنشاء معهد بحوث الصحراء. كان سابقًا لعصره،‏ حتى قبل نكبة فلسطين. ونقل مركز بحوث الصحراء إلى سيناء هي الخطوة الأولى في طريق المليون ميل، من أجل صيانة ما تبقى لدينا مما يستحق الصيانة؛ فسيناء للوهلة الأولى تعني لرجل الشارع في مصر «العروبة»؛ فهي بوابة مصر إلى المشرق العربي، وهي بوابة الفتح العربي لمصر وإفريقية. وسيناء في الذهنية الجماعية لمصر تعني «الشهداء» والأبطال والتضحيات، وتعني «غُصّة» الاحتلال، وبارق الانتصار. وسيناء في الفكر العسكري هي الطريق الذي شهد قدوم الغزاة إلى وادي النيل عبر العصور، منذ قمبيز الفارسي، إلى الهكسوس إلى اليونانيين إلى الصليبيين إلى العثمانيين إلى عصابات الإرهاب الصهيونية.
وسيناء هي التاريخ الأكثر أصالة للعرب والمسلمين؛ فهي معبر الخليل إبراهيم عليه السلام. وسيناء هي معبر موسى النبي عليه السلام، ومعبر يوسف ويعقوب عليهما السلام. وهي معبر السيد المسيح وأمه عليهما السلام. وهي معبر الفاتحين العظام: عمرو بن العاص، والزبير بن العوام وعبادة بن الصامت والمقداد بن الأسود ومسلمة بن مخلد (الأربعة الذين كتب عنهم عمر بن الخطاب: لقد أمددتك بأربعة آلاف وعلى رأس كل ألف منهم رجل بألف رجل). وهي معبر صلاح الدين الأيوبي وجنده المنتصرين سنة 583 هـ (1187 م). ثم هي معبر نابليون وجنده الهالكين سنة 1798م.
سيناء ساحة قتال منذ ستة آلاف سنة؛ فقد عبرها على مدى التاريخ 46 جيشًا، حتى قال القائل: «لو أن الأرض التي تشرب الدماء الساخنة تستطيع أن تنبت الدماء رجالاً، لأصبحت سيناء غابة من الرجال» (لم يحسب الفرنسيون حسابًا للمسافة الصحراوية الطويلة التي سيقطعونها في صحراء سيناء؛ حتى إن عددًا من جنود كليبر « أقدموا على الانتحار» بسبب ما لاقوه من طول المسافة ووعورتها حتى العريش).
وبسبب طبيعتها وعزلتها أصبحت ذرا سيناء الجنوبية ووديانها ملجًأ ومهربًا من كل جبار عنيد، خاصة في عهد الرومان الذي ساموا المصريين سوء العذاب قبل أن ينقذ الله مصر وأهلها بالفتح الإسلامي. وبالإسلام صارت سيناء هي طريق الحج لأهل مصر وإفريقية؛ فكل خطوة فيها عبادة.
مساحة سيناء تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة دلتا النيل. وسيناء أرض المعادن الدفينة ومناجم الذهب، وهي أرض الرمال التي يصنع منها الزجاج الفاخر. وفيها يجتمع القيظ والجليد. وأهل سيناء هم أسياد الرمال؛ فأبناء البادية هم وحدهم امتزجوا بسيناء المكان، وتعاملوا معه؛ لأنهم أتقنوا أبجدية المكان ودروبه وأمطاره ورياحه ونجومه وقمره.
ورد ذكر سيناء في القرآن الكريم بالتصريح أو بالإشارة في المواضع الآتية: البقرة 63، والنساء 154، ومريم 52، وطه 9: 14، وطه 80/81، والقصص46، والمؤمنون 19/20، والطور 1: 8، والتين 1: 4
وفي حدود القرائن المتاحة لي أميل إلى الرأي القائل إن أحدًا لا يستطيع أن يثبت بالوثائق أو الدلائل القوية: أين ناجى موسى ربه، وأين خرّ له الجبل دكًا، وأين توجد أرض التيه.
قبل نصف قرن استطاع الجيولوجي «درويش مصطفى الفار» ابن سيناء أن يحصي ألْفَ كتاب عن سيناء، ما بين تاريخي وجغرافي وجيولوجي. ودرويش مصطفى هو مكتشف فحم «المغارة» في شمال سيناء، والذي قدرت احتياطياته بثلاثين مليون طن.
إن معظم ما كتب عن سيناء قد كتب بلغات أجنبية، وأما الكتب العربية القليلة فأبرزها - وربما أهمها- هي ما كتبه «نعوم شقير»، وما كتبه «جمال حمدان».
إن سيناء هي أرض الحذر الدائم من الطمع الشرير؛ فلقد أظهرت بعض الخرائط دولة صهيونية تمتد من الجولان إلى قناة السويس. واغتصاب الأوطان يبدأ غالبًا بمجموعة من الأكاذيب التي تمهد للقوة الباطشة. تبدأ الأكذوبة بأن سيناء هي خلاء من البشر ومن كل شيء ذي قيمة، وأنها لذلك تستحق أن يستولي عليها من يعمرها، ويحول القفر إلى جنة.
يشعر ابن البادية – وبخاصة في مصر - أنه مغبون؛ لأنه في أحيان كثيرة متهم!! وإن لم تكن له تهمة واضحة. وابن البادية هو الطريدة المفضلة لحرس الحدود وشرطة المخدرات. وتقليديًا ينظر إلى ابن الصحراء على أن ولاءه للحكومة المركزية واهٍ. وهو من جهته يرى نفسه على هامش الدولة ثقافيًا وتربويًا وإعلاميًا.
وربما كانت سيناء هي الجزء الأكثر عروبة من مصر، سواء من ناحية الأنساب العربية، أو من ناحية الزي العربي التقليدي (الثوب الأبيض والعقال والغترة)، أو من حيث إنها أول من استقبل الفاتحين والهجرات العربية إلى مصر وإفريقيا.
فمن قبائل شمال سيناء: السواركة، والرميلات، والبياضية، والأخارسة، والسماعنة، والقطاطوة، والعقايلة، والدواغرة (فرع من مطير)، والعلوية (أولاد علي)، والرياشات، والملالحة، والعيايدة، والسعديين، وقبيلة بلي، وقبيلة المساعيد، وعشيرة اللفيتات (فرع من قبيلة مساعيد فلسطين وهم أبناء عم مساعيد سيناء والشرقية)، وقبيلة العكور، وقبيلة الجبالية (فرع من قبيلة الجبالية في بلاد الطور)، وعشائر الصقور، والحجوج، والخدايجة، وعشيرة بني عجلان.
ومن قبائل وسط سيناء: قبيلة التياها (من فروع بني هلال)، والترابين( من فروع البقوم)، والحويطات، والبدارة، والأحيوات، وعشيرة الفراعية، وعشيرة الجراجرة(فرع من قبيلة المساعيد)، وعشيرة الفوايدة (فرع من قبيلة جهينة)، والعزازمة، وعشيرة العرينات، وقبيلة العلاوين.
وأما قبائل جنوب سيناء فهم: قبيلة العليقات، والصوالحة، وأولاد سعيد (فرع من قبيلة جهينة)، والقرارشة (فرع من قبيلة قريش)، وقبيلة مزينة (فرع من قبيلة مزينة في الحجاز)، وقبيلة النفيعات، والجبالية، والحماضة (فرع من بني تميم)، وبنو واصل(فرع من بني عقبة)، وقبيلة بني سليمان (فرع من المساعيد)، وقبيلة التبنة، وقبيلة المواطرة.
فمن لم يدقق أو لم تكن لديه دراية كافية عن ساكني الصحراء، فلن يميز بين بدو نجد وبدو الأردن وبدو مطروح وبدو العريش والطوارق وبدو موريتانيا. إن الآلاف من أبناء القبائل العربية نزحوا من جزيرة العرب إلى مناطق مختلفة من مصر، واستقروا بها. واليوم يعيشون حياة الفلاحين ويقتنون مثل بهائمهم، ويلبسون ثيابهم. وانطلقت قبائل عربية إلى السودان والسلوم وبرقة والكفرة وبلاد شنقيط (موريتانيا) وتمبكتو (مالي). ومعلوم أن قبائل من العرب نزحت إلى سيناء بعد الفتح الإسلامي، وهذا ثابت وموثق، لكن مراجع تذكر أن أفخاذًا من قبائل بلى وجهينة عاشت في صعيد مصر قبل الإسلام بستة قرون، وأن منازلها كانت في الصحراء الشرقية بين (القُصير) على البحر الأحمر و(قِنا) على النيل. وأنها كانت تقوم على التجارة من البحر إلى وادي النيل.
وسيناء أرض العزلة والعبادة وربما الرهبنة. يروي التاريخ أن الإمبراطورة القديسة هيلانة (سانت هيلين 248-328م) قد انفصلت بالطلاق لأسباب سياسية عن الإمبراطور البيزنطي الأول قسطنطينوس، الذي تزوج بدلًا منها تيودورا الفاتنة ربيبة الإمبراطور الروماني مكسيميان. وعندما أصبح قسطنطين الأكبر ابن هيلانة إمبراطورًا سنة 306م تلقبت هيلانة بلقب الإمبراطورة الأم واعتنقت النصرانية.
ثم حدث لهيلانة ما لم يكن في الحسبان إذ ادّعت «فاوستا» زوجة ابنها الثاني أن «كرسبوس قيصر» حفيد هيلانة قد راودها عن نفسها، فلم يكن هناك مفر من إعدامه شنقًا على رؤوس الأشهاد سنة 326م. ولم تطق هيلانة صبرًا على ما جرى لحفيدها، فدبرت لتيودورا مكيدة وقادتها إلى حبل المشنقة، ظنًا منهاأن ذلك سوف يشفي غليلها.
ولكن هيلانة الإمبراطورية الأم أصيبت بعد تلك الأحداث بحزن عميق، أدى بها إلى التصوف؛ فأصبحت من المجاذيب. ونصحها الناصحون بالتوجه إلى الأرض المقدسة، فلسطين، للسلوى والنسيان، بالبحث في آثار التوراة والإنجيل. ولقيها هنالك من الأحبار والرهبان من قرأ عليها خبرًا من كتابات المؤرخ «ديودور الصقلي» (سنة 10 ق م) نقله عن «أرتميدوروس» (سنة 110 ق.م) وعن «أغاثارشيدس» (سنة 160 ق.م) يفيد بأن هنالك نقوشًا وكتابات على الصخور قرب «الطور» غير معروفة الأصل. فظنت الإمبراطورة تحت تأثير الانجذاب الذي يغمرها، أن تلك النقوش المجهولة لا بد وأن تكون نقوش أصحاب موسى، عليه السلام، في أثناء التيه، فشدت الرحال إلى ربوع وادي «المكَتَّب» على وزن «المقطّم».. ومنذ تلك الرحلة التي قامت بها الإمبراطورة المجذوبة شاعت فكرة نسبة تلك النقوش السينائية إلى تيه أصحاب موسى بن عمران عليه السلام.. وهذا ما ثبت خطؤه فيما بعد من القرون.
وأشار إليها «كونل» سنة 1800م إشارة عابرة لا تشفي غليلًا في مقالته «ثمانية وعشرون يومًا في سيناء» التي وردت في كتاب الحملة الفرنسية الشهير «وصف مصر».
وبدأ القول العلمي الفصل في أمر نقوش سيناء على يد الباحث المحقق السير «وليام فلندرز بيتري» سنة 1906م في كتابه «أبحاث في سيناء» حيث أثبت أن هذه النقوش لا علاقة لها بالتيه ولا بخرافات بني إسرائيل، وأنها ترجع إلى حوالي سنة 1500ق.م.
ومنذ أن تكلم العلامة بيتري عن النقوش السينائية، دخل أمرها في حقبة جديدة بين أيدي العلماء.. فقال «ألان جاردنر» سنة 1916م إن حروف سيناء هي أصل الحروف الكنعانية (الفينيقية) وذلك في مقال شهير نشره في صحيفة «الأركيولوجيا المصرية» (العدد الثالث) (راجع: درويش مصطفى الفار مجلة الأمة، العدد 46، شوال 1404 هـ).
ومهما يكن من شأن النقوش هنا وهناك فإن الواجب الأوجب الآن هو (ضخ) بضعة ملايين من ذوي الإرادة، ليعمروا كل زاوية وكل ثنية وكل كثيب وكل واد في أرض طور سينين. وليذهب إلى الجحيم أي كلام عن منطقة (أ)، و(ب)، و(ج)، و(د). والله غالب على أمره.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أحلام جزائرية
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

عدد الرسائل : 1623
العمر : 28
المدينة التي تقطن بها : الجزائر
الوظيفة : فعل الخير
السٌّمعَة : 13
تاريخ التسجيل : 13/01/2011

مُساهمةموضوع: رد: الصحراء المكان و الإنسان و اللسان للدكتور و الشيخ محمد الصاوي1   الأربعاء يونيو 22, 2011 6:19 pm




--------------------------------------------------------------------
تزود من التقوى فإنك لا~ تدري أذا جنَّ ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا ~ وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

وكم من صغار يرتجى طول عمرهم ~ وقد أُدخلت أجسامهم ظلمة القبر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المنتصر إبن العرب
مشرف قسم شخصيات وأعلام من ورقلة
مشرف قسم شخصيات وأعلام من ورقلة
avatar

عدد الرسائل : 1848
العمر : 43
المدينة التي تقطن بها : ورقلة
الوظيفة : موظف
السٌّمعَة : 27
تاريخ التسجيل : 16/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الصحراء المكان و الإنسان و اللسان للدكتور و الشيخ محمد الصاوي1   الخميس يونيو 23, 2011 11:43 am

دمت وفية للمنتدى أختاة بارك الله فيك

--------------------------------------------------------------------
من لى بإنسان إذا أغضبته ... وجهلت كان الحلم رد جوابه
وإذا صبوت إلى المدام شربت من ... أخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بطرفه ... وبقلبه ولعله أدري به
فاذا ظفرتَ بذي الوفـــــاء ...فحُط رحلكَ في رِحابهْ
فأخوك مَن إن غـاب عنك ...رعى ودادك في غيابهْ
وإذا أصابك ما يسوءُ ...رأى مصـــابكَ من مصابهْ
ونراه يَيْجَعُ إن شكـــوتَ ...كأن مابك بعض مابهْ
[]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
nadjet30
إدارة
إدارة
avatar

عدد الرسائل : 3618
العمر : 28
المدينة التي تقطن بها : ورقلة
الوظيفة : أستاذة
السٌّمعَة : 49
تاريخ التسجيل : 25/02/2010

مُساهمةموضوع: رد: الصحراء المكان و الإنسان و اللسان للدكتور و الشيخ محمد الصاوي1   الخميس يونيو 23, 2011 11:50 am

بوركت أخ منتصر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

الصحراء المكان و الإنسان و اللسان للدكتور و الشيخ محمد الصاوي1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
•°o.O منتديات ورقلـة المنـوعة ترحب بكم ،، O.o°•OUARGLA :: المـنتـدى العـام :: قسم الثقافة العامة-